حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

137

شاهنامه ( الشاهنامه )

فاحتدّ رستم وقال لكيكاوس : خفض عليك ، ودع عنك هذه الحدّة . فكل واحد من أمورك أنحس من الآخر . وليس تليق بك الشهريارية والملك . وليكن صلبك لسهراب ، وإهانتك لعدوّك إن قدرت . ودفع طوسا ورماه إلى الأرض ، وخرج غضبان ، وركب رخشه وقال : أنا الذهب للتاج ، ومقدّم القوم . فلماذا يحرد علىّ كيكاوس ؟ ومن كيكاوس ؟ ومن طوس حتى يمدّ يده إلى ؟ وأقبل على الإيرانيين ، وقال : دبروا أموركم ، واحفظوا أرواحكم فان سهراب قد جاء وإنه لا يخلى منكم صغيرا ولا كبيرا . وهأنا رائح ولا يرى وجهي أحد بعد هذا في أرض إيران . فاهتم من هناك من الأمراء والقوّاد لما سمعوا من رستم على رؤوس الأشهاد . فالتجأوا إلى جوذَرز ، وقالوا له : أنت الذي بلطفه ينجبر الكسير ، وبرأيه يسهل العسير . فادخل على هذا الملك المجنون ، فإنه لا يسمع غير كلامك ، فلعلك تستعطفه لرستم . فدخل جوذَرز مسرعا على كيكاوس ، وقال : أي شئ عمل رستم حتى يخاطب بما اضطربت به المملكة ؟ وليس يعدّ من العقلاء من يكون له فارس مثل رستم فيطرده بالجفاء . فندم كيكاوس على ما بدر منه ، واعترف على نفسه ، وصدّق جوذرز فيما قال : وقال : لا بدّ للملك أن يكون وافر العقل متنكبا عن الحدّة والجهل . وقال له : اركب الآن مع الأكابر والأمراء خلف رستم وردّوه . فركب جوذرز ، وسار في جميع أمراء الحضرة حتى لحقوه . فاجتمعوا عليه ، وأطلقوا ألسنتهم بالثناء ، ودعوا له بالبقاء . وقالوا : إنك تعلم أن كيكاوس خفيف الرأس لا يستقيم كلامه عند الحدّة والغضب ، وأنه يحتدّ ثم يندم من ساعته فيرجع إلى أحسن ما كان عليه قبل غضبه . وإذا ضاق صدرك من الملك فأي جرم لسائر الإيرانية ؟ والآن قد ندم كيكاوس على ما سبق منه حتى كاد أن يعض على يديه . فأجابهم رستم وقال : مالي حاجة إلى كيكاوس . فان تختى السرج ، وتاجى البيضة ، ولباسى الجوشن ، ومركوبى الموت . وسواء عندي كيكاوس والتراب . وقد مللته وسئمته . ولست أفزع منه أبدا ، ولا أخاف غير اللّه أحدا . فقال له جوذرز : إن أهل المملكة وفرسان العسكر يحملون هذا على محل آخر . فيقولون : إنما فعل رستم هذا الخوف دخله من هذا العدوّ . وقد تناجوا بشيء من هذا القبيل . وقال : إن كل شيء جرى فلا جانى له سوى سهراب . فلا تخالف الملك ولا توله ظهرك ، ولا تمح برجوعك صيتك الذي طبق الآفاق . واعلم أن العدوّ قد أخذ المخنق ، ولم يبق في الأمر متسع . فلا تنكس تخت السلطنة ، ولا تعفر تاجها . فلم يزل جوذرز يستعطف رستم ويسترضيه حتى لانت عريكته ، وقرّت بعد الهدير شقشقته . فثنى عنانه عائدا إلى حضرة الملك . ولما دخل عليه تلقاه وأخذ يعتذر اليه قائلا : إن اللّه تعالى خلقني شرس الأخلاق ، شكس الطباع . وليس ينبت الشجر إلا كما غرس . وقد امتلأ